الشنقيطي

343

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : فِي عُنُقِهِ أي جعلنا عمله أو ما سبق له من شقاوة في عنقه ؛ أي لازما له لزوم القلادة أو الغلّ لا ينفك عنه ؛ ومنه قول العرب : تقلّدها طوق الحمامة . وقولهم : الموت في الرقاب . وهذا الأمر ربقة في رقبته ؛ ومنه قول الشاعر : اذهب بها اذهب بها * طوقتها طوق الحمامة فالمعنى في ذلك كله : اللزوم وعدم الانفكاك . وقوله جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة : وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً ( 13 ) ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أنّ ذلك العمل الّذي ألزم الإنسان إيّاه يخرجه له يوم القيامة مكتوبا في كتاب يلقاه منشورا ، أي مفتوحا يقرؤه هو وغيره . وبيّن أشياء من صفات هذا الكتاب الّذي يلقاه منشورا في آيات أخر . فبيّن أنّ من صفاته : أن المجرمين مشفقون أي خائفون ممّا فيه ، وأنّه لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلّا أحصاها ، وأنّهم يجدون فيه جميع ما عملوا حاضرا ليس منه شيء غائبا ، وأنّ اللّه جلّ وعلا لا يظلمهم في الجزاء عليه شيئا ؛ وذلك في قوله جلّ وعلا : وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ( 49 ) [ الكهف : 49 ] . وبيّن في موضع آخر : أنّ بعض الناس يؤتى هذا الكتاب بيمينه - جعلنا اللّه وإخواننا المسلمين منهم . وأنّ من أوتيه بيمينه يحاسب حسابا يسيرا ، ويرجع إلى أهله مسرورا ، وأنّه في عيشة راضية ، في جنّة عالية ، قطوفها دانية ؛ قال تعالى : فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ ( 7 ) فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً ( 8 ) وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً ( 9 ) [ الانشقاق : 7 - 9 ] ، وقال تعالى : فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ ( 19 ) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ ( 20 ) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ ( 21 ) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ ( 22 ) قُطُوفُها دانِيَةٌ ( 23 ) [ الحاقة : 19 - 23 ] . وبيّن في موضع آخر : أنّ من أوتيه بشماله يتمنّى أنّه لم يؤته ، وأنه يؤمر به فيصلى الجحيم ، ويسلك في سلسلة من سلاسل النار ذرعها سبعون ذراعا ؛ وذلك في قوله : وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ ( 25 ) وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ ( 26 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ ( 13 ) ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ ( 28 ) هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ ( 29 ) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ( 30 ) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ( 31 ) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ ( 32 ) [ الحاقة : 25 - 32 ] - أعذانا اللّه وإخواننا المسلمين من النار ، ومما قرب إليها من قول وعمل . وبين في موضع آخر : أنّ من أوتي كتابه وراء ظهره يصلى السعير ، ويدعو الثبور ؛ وذلك في قوله : وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ ( 10 ) فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً ( 11 ) وَيَصْلى